سميح دغيم

307

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

وليس الأمر كما قدّر ، لأنّه إذا عرف طريق المعرفة وهو النظر المخصوص الذي من بيانه أن يولّدها ، صحّ منه إيجادها بإيجاده . وإيجادها على هذا الوجه ، هو ترك للجهل ، لأنّ من حقّه أن يضادّها ، وترك الشيء هو ضدّه على بعض الوجوه . فقد ثبت إذن أنّه يصحّ منه أن يترك الجهل بالمعرفة . فإن قيل : فيجب أن يصحّ منه ترك المعرفة بالجهل أيضا ، ليصحّ أن يكلّف المعرفة . قيل له : وذلك أيضا صحيح منه ، لأنّه يصحّ منه أن يبتدئ فعل الاعتقاد والذي هو جهل ، فيكون بفعله تاركا للاعتقاد الذي هو من جنس المعرفة . ولا يقال : إنّه ترك به المعرفة ، لأنّ من حقّها أن تقع متولّدة . والمباشر لا يكون تركا للمتولّد ، من حيث يجب وجوده بوجوب سببه . ومن حق الترك والمتروك أن يصحّ من القادر ، في كل واحد منهما ، أن يبتدئه وأن يبتدئ ضدّه . لكنّا وإن لم نطلق هذا القول ، فمن جهة المعنى لا نمتنع من أن نقول بأنّه قد ترك بها الجهل ما يضادّه من المعرفة ( ق ، غ 12 ، 280 ، 14 ) - بيان حقيقة الترك وما يتّصل بذلك . الذي ذكره شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : أنّه يجب أن يكون جامعا لشروط أربعة : أن يكون القادر على الترك والمتروك واحدا . والوقت الذي يصحّ وجودهما فيه واحدا . وأن يكون بينهما تضادّ . وأن يحلّا في محلّ القدرة عليهما ، فلا يحصل فيهما التعدّي من محل القدرة إلى غير محلّها ، ولا في أحدهما . ولا يكون هذا حالهما إلّا وهما مباشران ، غير متولّدين ( ق ، غ 14 ، 197 ، 14 ) - إنّ الترك على اللّه تعالى لا يجوز ؛ لاستحالة كونه قادرا بقدرة حالّة في محل ولغير ذلك . ولم يذكر رحمه اللّه أنّ كون المحل واحدا هو شرط في الترك والمتروك ، من قوله : إنّ هذه الشروط معتبرة في الترك والمتروك من أفعال الجوارح دون أفعال القلوب ، بل أطلقه إطلاقا ، والغالب على طريقة الاصطلاح ، لا على طريقة اللغة ( ق ، غ 14 ، 198 ، 6 ) - كان شيخنا أبو إسحاق رحمه اللّه ، يزعم أنّ لفظة الترك في اللغة لا تفيد ما ذكرناه في الاصطلاح ، وإنّما يستعملونها فيمن لا يفعل ما يجوز أن يفعله ، فيقولون فيمن هذا حاله : إنّه تارك لمّا لم يفعل ( ق ، غ 14 ، 199 ، 3 ) - إنّ في المتكلّمين من قال : إن من لم يفعل القيام وهو واجب عليه ، فلا بدّ من قعود يستحقّ الذمّ به ، وصرف الذمّ الذي يعلمه العقلاء من حال من وجب عليه الشيء فلم يفعله ، إلى ضدّ له قد فعله في جسمه . وفيهم من قال : إنّ الذمّ لا يجب أن ينصرف إلى ذلك ، فعبّر عن ذلك الفعل بأنّه ترك الواجب ليفرّق بينه وبين ما عداه من الأفعال التي لا يتوجّه الذمّ إليه ، إذا هو لم يفعل ما وجب عليه ( ق ، غ 14 ، 202 ، 10 ) - إنّ الترك من المخلوق للفعل فعل ، ( برهان ذلك ) أنّ ترك المخلوق للفعل لا يكون إلّا بفعل آخر منه ضرورة ، كتارك الحركة لا يكون إلّا بفعل السكون ، وتارك الأكل لا يكون إلّا باستعمال آلات الأكل في مقاربة بعضها بعضا أو في مباعدة بعضها بعضا ، وبتعويض الهواء وغيره من الشيء المأكول ، وكتارك القيام لا يكون إلّا باشتغاله بفعل آخر من قعود أو غيره ، فصحّ أنّ فعل الباري تعالى بخلاف فعل خلقه ، وأنّ تركه للفعل ليس فعلا أصلا ( ح ، ف 1 ، 14 ، 9 )